خبر : الليموند الفرنسية : رام الله، البعيدة جدّاً عن فلسطين...امتصاص كلّ ذلك الغضب عبر الاكتئاب

الخميس 15 أبريل 2010 02:05 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الليموند الفرنسية : رام الله، البعيدة جدّاً عن فلسطين...امتصاص كلّ ذلك الغضب عبر الاكتئاب



رام الله يبدو أن ريحاً من الحرية تنفخ على قطعةٍ صغيرةٍ من الأرض في الضفة الغربية المحتلة. فإثر رفع بعض حواجز الطرق ونقاط التفتيش، بات بإمكان سائقي السيارات الفلسطينيين الذين طالما أغاظتهم صفوف الانتظار الطويلة، أن يتجوّلوا مبدئياً دون عوائق بين أريحا ورام الله ونابلس، في شمال الضفة. ويبدو أنّ الاقتصاد بدأ ينتعش في هذه البقعة الضئيلة من الأراضي المقدسة. حيث تنتقل حمولات الصابون وزيت الزيتون والخضار والمشروبات غير الكحولية والبيرة المحلية دون مشكلة وصولاً إلى وجهتها. وتبدو الظروف جيّدة لدرجة أنّ شبكة "بلومبرغ" التلفزيونية امتدحت نموّاً وصل إلى 7 بالمئة في الضفة الغربية. المجمّعات التسويقية تناثرت في جنين ونابلس؛ والازدهار والهدوء النسبيّ مستتبّان في رام الله، المركز السياسي والاقتصادي للضفّة حيث تمّ افتتاح متاجر جديدة ومقاه على الموضة، ما يفرح الانتلجنسيا الفلسطينية التوّاقة إلى الترفيه. فيمكن تناول الوجبات والتسلية في "أرجوان"، البار الجديد الشائع الصيت في رام الله والذي يوفّر كما على صفحته في موقع "فايسبوك": "سهرات موسيقيّة محمومة وأطباق يوميّة شهيّة في كل وقت... مطعمنا يلتزم بالمكوّنات الأساسية للمطبخ التقليديّ المتوسّطي في فلسطين وإيطاليا، ويعيد ابتكار أطباقنا الكلاسيكية ويؤمّن لزبائنه تجربةً فريدة...". أهلاً وسهلاً بكم إذن في معقل الحرية حيث تتذوّق فئةٌ لا بأس بها ولو محدودة من مجتمع الضفة الغربية، الازدهار ورغد العيش. فهؤلاء الفلسطينيّون الذين تخلّصوا من إذلال حواجز الطرق والقرارات الاستنسابية التي يفرضها عليهم مجنّدو الجيش الإسرائيلي الشباب، يمكنهم التمتّع بالحدّ الأدنى من الحريّة والتحرك بسهولة والانصراف إلى أشغالهم. هكذا بفضل "احترافيّة" قوّات الأمن الفلسطينية المدرّبة من قبل واشنطن، سمح الرفع الجزئي للاحتلال عن رام الله للرئيس محمود عباس بتسجيل تحسنٍ ملموس في مستوى المعيشة لدى جزءٍ من مواطنيه؛ ومنح إسرائيل فرصةً لتبييض سمعتها وسط طوفان الإدانات نتيجة حرب غزّة. لقد تمّ امتصاص كلّ ذلك الغضب عبر الاكتئاب لكنّ هذه الظروف المتحسّنة في "المنطقة آ"، التي قرّرت لها اتفاقيّة أوسلو استقلاليّةً إداريّة، قد فاقمت المشاعر بالفروقات من قبل الفلسطينيين الآخرين القابعين في "المنطقة ج" حيث تسيطر إسرائيل على كلّ شيء في ظلّ احتلالٍ لا ينتهي. هكذا يتضاعف الانقسام بين من حصل ومن لم يحصل على هذه الحريّة الجزئيّة نتيجة سياسة فرّق تسد، التي تأتي بمنافع لفئةٍ من السكّان الفلسطينيين، في حين تُغضِب وتُضعِف الروح المعنوية للبقيّة. يقول جيف هالبير، الناشط والمحلّل السياسيّ الذي أسّس اللجنة الإسرائيليّة ضدّ هدم المنازل: "فعلاً هناك مزيدٌ من حريّة الحركة، لكنّها تتمّ ضمن القفص". فالاستراتيجيّة الإسرائيليّة التي قضت على إلغاء الحواجز عن جزءٍ ضئيلٍ من الضفّة الغربيّة في حين تركت معظم الأراضي معزولة في مناطقٍ عسكريّة محظورة، تتماشى مع خرائط وخطط الجنرالات والساسة الإسرائيليين من اليمين أو الوسط في السنوات الأخيرة. فمن بين مصمّمي هذا "التحرّر الجزئي" كان هناك الجنرال أوزي دايان الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي وأوتنييل شنيلير نائب رئيس الكنيسيت. وفي حين تتنوّع الخطط في تفاصيلها، ما هو ثابتٌ فيها هو أنّ الحريّة الجزئيّة متواجدة في مناطق في قلب الضفّة، فيما يبقى الاحتلال صارماً حول معظم المستوطنات الإسرائيليّة وطول غور الأردن وبالقرب من الجدار العازل. ففي أراضي "المنطقة ج" التي تشكّل 60% من الضفّة الغربيّة، يتمّ بدّقة التقييد على التحرّك عبر الحواجز والدوريّات العسكريّة. أمّا الفلاّحون الذين يحاولون تحسين بيوتهم ولو بشكلٍ بسيط، فتزورهم الجرّافات الإسرائيليّة سريعاً؛ في حين يستقبل النازحون القابعون في مخيّمات الأمم المتحدة غارات ليليّة من الجنود؛ ويقوم المستوطنون بتسميم الخراف الفلسطينيّة وتفريغ المياه الآثنة على حقول الزيتون ومهاجمة أطفال المدارس الماشين نحو مدارسهم. فبالنسبة لهؤلاء الفلسطينيين، تبدو رام الله نصف المحرّرة وكأنّها عملياً جزء من بلدٍ آخر. "رام الله ليست فلسطين"؛ هذا ما أعلنه الجدّ محمد عبد الله أحمد وحدان، مدخّناً لفافةً خلف أخرى، مبيّناً ازردائه للسلطة الفلسطينيّة ولطريقة معيشة من يستفيدون منها. "إنّهم فقط 5%؛ في حين أنّ 95% من الفلسطينيين يعانون الأمرّين". جلسنا معه على فرشةٍ بنيّة اللون على أضواء شموعٍ بنفسجيّة في غرفته البيطونيّة الفارغة من أيّ شيءٍ في مخيّم قلنديا شمال القدس. رام الله بعيدة فقط بضع دقائق عن هنا، ولكن يبدو أنّنا على كوكب المرّيخ. وفي الخارج، يهيمن الجدار العازل الإسرائيليّ فوق المخيّم كجدار السجن. في حين تتواتر الأنباء اليوم أنّ الجدار سيغيّر مساره كي يشقّ طريقه في منتصف المخيّم. وهنا يشير السيّد وحدان أنّه حتّى لو أنّ المنطقة هنا هي "آ" فلا قوّة للسلطة الفلسطينيّة على منع ذلك. وبينما احتسينا شاياً في كؤؤسٍ زجاجيّة صغيرة، أضاف: "لم تجلب لنا هذه القيادة شيئاً؛ لا عمل، ولا أرض، ولا استقرار، ولا أمن". فالسيّد وجدان قد فقد الأمل منذ زمن أنّ "السلطة" قادرة على مساعدته لاسترجاع بساتين الليمون والزيتون التي طُرِدَت منها عائلته عند إنشاء دولة إسرائيل قبل ستّة عقود. واليوم وبعد أن فقد أحد أبنائه في النضال - وكان في الـ19 من العمر مع زوجةٍ حامل، وقد دعيت طفلته عند ولادتها "فلسطين" - يُبدي خشيته من أيّ تضحيةٍ جديدة من أجل القيادة الحالية. بل أنّ زوجته التي أتت تقدّم لنا المشروبات الباردة اتّهمت السلطة بأنّها "تضع أبناءنا في فوهة المدفع". قال وحدان: "هذه الفئة المعيّنة من البورجوازيّة قد استغلّت الشعب الذي ناضل من أجل القضيّة. لقد قُمنا بكلّ ما قُمنا به فقط من أجل مصالحهم. فهم الذين حصلوا على شيءٍ من كلّ هذا". هنا تدخّل حفيده أنس البالغ 15 عاماً، والجالس تحت صورة موشّحة بالسواد لعمّه الشهيد: "أرادوا أن نذهب لنضحّي بأنفسنا دون سلاح. في حين حصل أبناؤهم على سيّارات ومنازل فارهة، وتملّكوا شركات اتصالات خلويّة. ليست هناك عدالة بين شخصٍ من بينهم وبيني أنا القابع في بيتٍ يتداعى، في حين لا يعرف أبي إن كان سيجد مالاً في نهاره كي يجلب لنا خبزاً وألبسة". وماذا لو صرخ شباب المخيّم باستيائهم؟ أجاب منير، صديق أنس الجالس بجانبه: "سيقولون لنا أننّا لسنا سوى أطفال مخيّم". "وماذا تريدون أن تكونوا؟"، ويسارع منير أنّه يرغب بأن يصبح طبيب عينيّة. ثمّ تابع: "لا شيء يمكن فعله هنا، فقط ربّما اللعب على الانترنيت. فهناك قاعدة عسكريّة على مقربة، وحاجز للعبور غير بعيد، ويأتي الإسرائيليّون في الليل. فإذا ذهبت ولعبت في مقهى الانترنيت، ربّما تكون مسروراً أنّك فعلت شيئاً في يومك". هؤلاء الشباب في سنين العاشرة كانوا هم وقود الانتفاضة. "ليس اليوم"، قالها منير: "فقد تمّ امتصاص كلّ ذلك الغضب عبر الاكتئاب". قد يستيقظ الغضب يوماً ليتفوّق على الكآبة، "ولكنّ الناس يقولون الآن"، بحسب أنس، "أنّنا تعبون، وأنّ الحجارة لن تمنحنا حريّةً". ليس الغضب على القيادة الفلسطينيّة جديداً؛ ولا الصراع الطبقي داخل المجتمع الفلسطينيّ. تذكّروا 1994، والغزّاويّين الذين تمّت التضحية بهم إبّان الانتفاضة الأولى، حين قَدِمَ "المحرِّرون" من تونس كي يحكموهم من فيلاّتهم ومن المقاعد الخلفيّة لسياراتهم السوداء الفارهة. أمّا اليوم فالغضب يتغّذى من الفاصل المتباعد باستمرار بين مناطق "الحريّة والعزلة" التي يسيطر عليها الإسرائيليّون؛ وقليلٌ من الفلسطينيين يستطيعون الوصل بين هاتين الضفّتين. هنا الناس يريدون إنقاص وزنهم، وهناك يريدون البقاء أحياء فحسب "أشعر بانفصامٍ في الشخصية"، تقول نائلة خليل التي تُمضي نهاية الاسبوع مع عائلتها في مخيم بلاطه بالقرب من نابلس؛ وهي تعمل خلال الأسبوع في رام الله صحافية في يوميّة "الأيام". تحتسي صاحبة التحقيق الشهير حول انتهاكات حقوق الإنسان ضد مناضلي حماس في السجون الفلسطينية، القهوة بالحليب على شرفة "مقهى السلام"، العنوان الثقافي الآخر في رام الله. وتقول: "أكبر مشكلةٍ عند أصدقائي هنا هي المحافظة على نحافتهم، بينما همّ سكان مخيم بلاطه للاجئين هو البقاء على قيد الحياة". تُبدي خليل إعجابها بالمباني الجديدة ذات الواجهات الزجاجية التي شيّدت باطمئنانٍ ساذجّ بأنّها لن تتضرّر. "لا يجرؤ سكّان المخيّمات إضافة طابقٍ واحدٍ على منازلهم، لأنّهم اعتادوا خسارة كلّ شيءٍ في ليلةٍ واحدة". وكما في مخيّم قلنديا، تقول خليل أنّ الشباب في مخيّم بلاطة "يشعرون أنّ السلطة تستغلّهم لتصِل إلى أهدافها الخاصّة، وأنّهم فقط خشب الحريق للنزاع القادم". إذاً لا ينصبّ الغضب اليوم على إسرائيل فحسب، بل أيضاً على السلطة، التي ينظرون إليها، على نحوٍّ متزايد كخادمةٍ للمصالح الأميركية والإسرائيلية (هذه "حكومة فيشي" كما قال ناشطٌ بالقرب من بيت لحم). وفي الواقع، تفجّر الغضب في الأيّام الأولى من الحرب الإسرائيلية على غزّة، في نهاية العام 2008. وتتذكّر خليل: "فيما كان أهل رام الله يحتفلون بالسنة الجديدة في المطاعم ويحتسون المشروبات، كان أهل غزة "يحتفلون" تحت القصف الإسرائيلي. ولم يأتِ إلى مظاهرة احتجاجية على قصف غزة سوى 50 أو 60 شخصاً... في حين تصدّى للتظاهرة ما معدّله شرطيّان لكلّ متظاهر... لقد أشعروهم بأنّهم شخصيّات مرموقة". ثمّ ارتشفت خليل قهوتها بالحليب، وأضافت: "إن هذا النوع من التهكّم هو الخطوة الأخيرة التي تسبق الغضب". نُظمّت بعض المظاهرات الأُخرى في ساحة المنارة في رام الله وقامت خليل بتغطيتها. وها هي تتابع قائلة: "تتصدّى القوى الأمنية لكلّ مظاهرة يتمّ تنظيمها في المنارة... وتعتدي على المتظاهرين بالضرب وبالغاز المسيّل للدموع، كما تمنعهم من الوصول إلى حواجز التفتيش. نحن مدنيّون ويقومون بضربنا. كلّ هذه الأمور تتراكم وتزيد من تفاقم الأزمة". بعيداً داخل المنطقة "ج"، لا تتمّ مشاهدة فورة الغضب نفسها، بل هناك لامبالاة مستهجِنة. الوضع خطرٌ في تلال جنوب الخليل الواقعة على بعد 30 ميلاً، أو بالأحرى 30 سنةً ضوئية عن الحيويّة النابضة لرام الله، إذ يقاوم الفلسطينيّون هناك المستوطنين والجنود الإسرائيليين، محاولين التقدّم بوصةً إثر أخرى للوصول إلى المرتفعات التي تربطهم بمنازلهم ومدارسهم. تقول منار، وهي طالبة في الصف الثامن في تلال جنوب الخليل التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المنطقة "ج": "اعتاد المستوطنون المجيء مع كلابهم. ثمّ يطلقونها لمطاردتنا". تبلغ منار الثالثة عشر من العمر، إلاّ أنها تبدو في العاشرة. وهي تقطن، مثل سواها من الفلسطينيين الذين يعيشون في هذه المنطقة، في "قريةٍ" مؤلّفة من الخيم وفي الكهوف المعروفة بتلال الخليل الجنوبية. ومن هناك، تسير يوميّاً ساعتين للوصول إلى مدرستها. حول معاناتها، أصدرت فرقة صانعي السلام المسيحية التي يقع مقرّها في قرية التويني، تقريراً يوثّق سلسلة حوادثٍ قام خلالها مستوطنون برمي أطفالٍ بالحجارة وضربهم وسرقة حقائبهم. (وقد سجّل قرويّون في هذه المنطقة أيضاً هجمات الرمي هذه بالحجارة على شرائط فيديو). تقول منار:" أطلق المستوطنون عليّ البيض بالمقالع. وبسبب هذه التعديّات، طُلِبَ من الجيش الإسرائيلي أن يرافق الأطفال الفلسطينيين خلال ذهابهم وإيابهم. إلاّ أنّهم يصِلون دوماً بعد فوات الأوان". وأحياناً تتغيّب منار عن المدرسة خوفاً من المستوطنين. فها هي تعلّق بالقول:" يغطّي المستوطنون وجوههم أحياناً بقلنسوات سوداء اللون، وهذا الأمر مخيفٌ حقاً". كنّا جزءاً من مسيرة تضامنٍ كبيرة ضمّت حوالي 75 طفلاً وأستاذاً، وسرنا باتّجاه مدرسة منار. وقد نظّم هذه المسيرة سكان قرية التويني المعروفة بكونها مركز مقاومةٍ سلميّة للاحتلال. كانت منار تكرّر رواية قصّتها ونحن نسير على طريقٍ وعرة لدرجة أنّه لا يمكن اجتيازها إلاّ بسيارةٍ رباعية الدفع أو بواسطة جرّار. (إذ لا تسمح سلطات الاحتلال حتى بملء حفر الطرق). وبالرغم من أنّ زملاء منار في المدرسة كانوا يسيرون طول الطريق يغنّون ويقرعون على الطبل، كانت منار تُبدي قلقاً شديداً عوضاً عن السرور الذي يُفترض أن يرتسم على وجه أيّ فتاةٍ في سنّ المدرسة. تقول منار: "عندما يأخذني والدي إلى الخليل عبر هذا الطريق"، مشيرةً إلى المستوطنة الإسرائيلية في (ماعون)، "أبدأ بالصراخ في السيّارة... لا أريد الذهاب في هذا الاتجاه! لأنّي خائفة جداً من المستوطنين". وقد بدأت مشكلة منار في صفّها المدرسي الأول، وما تزال تعاني منها اليوم بعد مرور سبع سنوات. زار طبيبٌ قريتها وقال "تعاني هذه الفتاة مشاكل في القلب، ولا يجب أن تشعر بالخوف بعد الآن". وبعد برهة، اعتذرت منار قائلة أنّها تحدّثت إليّ بما يكفي عن هذه المشاكل، وهرعت للبحث عن زميلاتها. الحياة اليومية في مختلف أنحاء المنطقة "ج" هي ذاتها: تنقلٌ محصورٌ وبشروطٍ مشدّدة، هدمٌ للمنازل ومصادرة للأراضي؛ حتّى أنّ البعض يعيش على الأرض التي يربّي فيها الماشية خوفاً من تركها وفقدانها إلى الأبد. يقول الناشط الأميركي جوشوا هاوغ الذي يرافقنا في المسيرة: "إذا فقدوا أرضهم ستزداد معاناتهم أكثر وأكثر، فهم بحاجة إلى كل قطعة أرضٍ لرعي قطعانهم". يعيش جوشوا جزئياً في قرية التويني كفردٍ في فرقة صانعي السلام المسيحية؛ ويضيف: "تسلب الأراضي باستمرار شيئاً فشيئاً. ويتقلّص عدد الأراضي الفلسطينية عاماً بعد عام". بعد مسيرةٍ دامت حوالي الساعة وصلنا إلى المدرسة: ثلاثة هياكلٍ فولاذية بنيت على كتلٍ من الإسمنت مغطّاة بالجبس. تحدّث الزعماء المحليّون عبر مكبّرات الصوت عن حريّة الحركة والحق في التعليم. وبعد الخطابات، بدأ الأساتذة يوزّعون الأقلام مجّاناً؛ وعلى الفور، احتشدت منار ورفيقاتها حولهم، يصرخنَ بحماس ويأخذنَ الأقلام من أيديهم. سائق الحافلة المدرسية الذي يُدعى نعيم العدارة، قال وهو يعيدنا من المدرسة في شاحنة تويوتا حمراء اللون: "نادراً ما يأتي أعضاءٌ في السلطة الفلسطينية إلى هنا". وقد حضر مرّة مسؤولٌ من الوزارة الفلسطينية للشؤون المحليّة من رام الله، إلاّ أنّه رفض المجيء في سيّارة الوزارة. "لذا اصطحبناه من رام الله في سيارتنا وعلى نفقتنا الخاصة". وقد صُعِقَ هذا المسؤول عندما شاهد ولمس ظروف عيشنا هنا. "فقد علم للمرّة الأولى أنّ هذه الأرض (في الضفة الغربية) هي ملك الفلسطينيين. أيجدر بوزيرٍ مثله أن يفاجأ عندما يعلم أن هذه الأرض ملكٌ لنا؟ فقلت له: "كيف لوزيرٍ أن يجهل هذه الحقيقة؟ أنت وزير الشؤون المحليّة!"". ثمّ أضاف نعيم بالقول: "إنّه يجهل ما يحدث في وطنه". ضحك العدارة ضحكةً خافتة، مليئة بالشكّ، ثم بدأ يحدّق في الطريق الوعرة من خلال زجاج الشاحنة الأمامي المحطّم. وقال: "الجميع نسونا لسوء الحظ".   ساندي تولان أستاذ في مدرسة أنينبرغ للعلاقات العامّة والصحافة بجامعة جنوب كاليفورنيا، من مؤلّفاته: "شجرة الليمون: عربي ويهودي وقلب الشرق الاوسط - The Lemon Tree : An Arab, a Jew, and the Heart of the Middle East"، دار بلومزبيرغ، لندن 2006. عن الليموند